ردّ بوتين على رسالة ميلانيا ترامب: هل تكون القشة الأخيرة
ترجمة – نبض الشام
في تطورٍ دراماتيكي للعلاقات بين واشنطن وموسكو، ردّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على رسالةٍ إنسانية وجهتها السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترامب، مطالبته بوقف الحرب وإنقاذ أطفال أوكرانيا، بشنّ هجومٍ صاروخي مدمّر استهدف مناطق سكنية ومدارس في كييف. الهجوم لم يكن موجهاً ضد أوكرانيا فقط، بل حمل رسالة مباشرة لواشنطن وحلفائها الأوروبيين. وبينما يواصل الرئيس ا دونالد ترامب جهوده الدبلوماسية لإحلال السلام، يبدو أن بوتين ماضٍ في التصعيد العسكري متحدياً الضغوط الأميركية والدولية.
رسالة إنسانية من ميلانيا ترامب
في 15 أغسطس، كتبت السيدة الأمريكية الأولى ميلانيا ترامب رسالة مؤثرة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حثته فيها على السعي للسلام من أجل الأطفال المتأثرين بالحرب الروسية الأوكرانية. وجاء في رسالتها:
“كل طفل يحمل في قلبه نفس الأحلام الهادئة… إنهم يحلمون بالحب، والإمكانيات، والأمان من الخطر. سيد بوتين، يمكنك وحدك أن تعيد ضحكاتهم العذبة. بحمايتك براءة هؤلاء الأطفال، فإنك لن تخدم روسيا فقط ، بل تخدم الإنسانية بأسرها.”
رد بوتين العنيف
وفي يوم الخميس، جاء رد بوتين، بشنه هجوماً ضخماً بالطائرات المسيّرة والصواريخ على مبانٍ سكنية وروضة أطفال في قلب كييف، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 23 شخصاً، بينهم أربعة أطفال.
كان هذا الهجوم بمثابة إهانة للسيدة الأولى، كما كان إهانة للرئيس دونالد ترامب، الذي سلّم بنفسه رسالة زوجته لبوتين خلال قمتهما في ألاسكا.
استهداف الأطفال والبنية التحتية
منذ بداية الحرب، تعمد بوتين استهداف الأطفال. ووفقاً لمكتب المدعي العام الأوكراني، أصابت الصواريخ والطائرات المسيّرة الروسية والمدفعية وحتى القنابل العنقودية أكثر من 3,560 مدرسة، بينها 371 مدرسة دُمّرت بالكامل. وأسفرت تلك الهجمات عن مقتل 652 طفلاً وإصابة 2,142 آخرين، بينما ما يزال 2,193 طفلاً في عداد المفقودين. وتشير تقديرات اليونيسف إلى أن حوالي 16 طفلاً أوكرانياً يُقتلون أو يُصابون أسبوعياً.
كثير من الأطفال الأوكرانيين يُجبرون على الدراسة تحت الأرض لحمايتهم من الطائرات المسيّرة والصواريخ الروسية التي تستهدف مدارسهم، وغالباً ما تُقاطع صفوفهم الدراسية صفارات الإنذار من الغارات الجوية.
بوتين يوجه رسالة مباشرة لواشنطن
لكن هجوم بوتين الأخير كان مختلفاً، إذ بدا مقصوداً لإرسال رسالة مباشرة إلى ترامب وإلى القادة الأوروبيين المجتمعين في البيت الأبيض، مفادها أنه يشكك في عزيمتهم. فإلى جانب استهداف مواقع أوكرانية، ضربت روسيا مكاتب الاتحاد الأوروبي الدبلوماسية في كييف، وكذلك مكاتب المجلس الثقافي البريطاني، وهو منظمة حكومية بريطانية تعزز التبادل الثقافي والتعليمي. وفي هجوم منفصل، استهدفت روسيا مصنعاً لشركة الإلكترونيات الأمريكية Flex Ltd. بعيداً عن خطوط القتال، باستخدام صاروخين من طراز كاليبر.
استراتيجية ترامب في إدارة الصراع
منح ترامب بوتين كل فرصة لإثبات رغبته في السلام. فعلى سبيل المثال، مع إيران، منح ترامب طهران مهلة 60 يوماً للموافقة على إنهاء برنامجها النووي، وحين انتهت المهلة دون اتفاق، بدأ القصف الإسرائيلي في اليوم الـ61، تلاه عملية “مطرقة منتصف الليل”، حيث “دمرت” الولايات المتحدة مواقع إيران النووية.
لكن في حالة أوكرانيا، سمح ترامب لبوتين بتجاوز المهل المتكررة دون عواقب فورية. ومع ذلك، زاد ترامب تدريجياً الضغط على بوتين، ففرض مؤخراً عقوبات ثانوية على الهند بسبب شرائها النفط الروسي، كما زاد مبيعات الأسلحة إلى أوكرانيا، لكنه لم يستخدم بعد “مطرقته” ضد بوتين.
ربما يعود ذلك جزئياً إلى أن بوتين، على عكس إيران، انخرط شخصياً مع ترامب، مؤكداً له —هاتفياً وباللقاءات المباشرة— أنه يريد السلام. وكان ترامب محقاً في منحه الفرص ليثبت ذلك عبر أفعال ملموسة. لكن بعد أكثر من ستة أشهر على بداية الولاية الثانية لترامب، فشل بوتين في إثبات حسن نواياه.
نجاحات محدودة مع أوكرانيا
من جهة أخرى، حقق ترامب نجاحاً أكبر مع أوكرانيا. فمنذ اجتماع الرئيس فولوديمير زيلينسكي الكارثي في البيت الأبيض أواخر فبراير —والذي أدى إلى تعليق مؤقت لشحنات الأسلحة الأمريكية— بدأت أوكرانيا الاستجابة لمطالب ترامب. ففي مارس، وافقت كييف على وقف إطلاق نار كامل وغير مشروط بطلب من ترامب. وبعد أيام، وخلال مكالمة مع ترامب، وافق زيلينسكي على وقف إطلاق نار جزئي لمدة 30 يوماً يركز على حماية الطاقة والبنية التحتية المدنية. بوتين رفض كليهما.
فشل موسكو في الالتزام بوقف إطلاق النار
وفي مايو، وافق زيلينسكي مجدداً على وقف إطلاق نار غير مشروط بدعم أمريكي. وعندما رد بوتين بعرض للقاء في إسطنبول، وافق زيلينسكي — كما طلب ترامب — على الاجتماع دون شروط مسبقة، قبل أن يتراجع بوتين عن اللقاء.
يعني ذلك أنه، على مدى شهور، قدّمت أوكرانيا تنازلات متكررة استجابة لمطالب ترامب بوقف القتال والجلوس على طاولة المفاوضات، بينما واصلت روسيا استهداف المدنيين الأوكرانيين مع الاستمرار في مراوغة الولايات المتحدة.
تصاعد حدة المواجهة بين واشنطن وموسكو
وأكد ترامب أنه إذا وافقت أوكرانيا على السلام ورفضت روسيا، فسوف ينحاز إلى كييف ويفرض عقوبات قاسية على موسكو، تشمل تعريفات ضخمة على صادرات النفط والغاز الروسية، إلى جانب تكثيف تسليم الأسلحة إلى أوكرانيا. كما لمح ترامب إلى أنه سيسمح لأوكرانيا باستخدام الأسلحة الأمريكية للهجوم داخل الأراضي الروسية، قائلاً: “جو بايدن الفاسد وغير الكفؤ لم يسمح لأوكرانيا بالرد، بل فقط بالدفاع. كيف كانت النتيجة؟”
وقبيل قمة ألاسكا، حذّر ترامب من “عواقب وخيمة” إذا لم يوافق بوتين على وقف إطلاق النار. لكنه أرجأ هذه العواقب على أمل أن تسفر قمّتا أنكوراج وواشنطن عن فرصة حقيقية للسلام.
الآن، جاء رد بوتين على جهود ترامب الدبلوماسية وعلى رسالة ميلانيا العاطفية بصفعة قوية — هجوم وحشي يوضح بجلاء أنه لا يهتم بإعادة ضحكات الأطفال الأوكرانيين.
هذه يجب أن تكون القشة الأخيرة. فقد أثبت بوتين بوحشيته أنه لن يوقف عدوانه طوعاً — بل يجب إجباره على التراجع. إذن، حان وقت بدء سياسة الإكراه.
التصعيد يضع العالم على حافة أزمة أوسع
في ضوء تجاهل بوتين المتكرر لجهود السلام واستمراره في استهداف المدنيين والأطفال، يبدو أن مرحلة جديدة من التصعيد تقترب بين الولايات المتحدة وروسيا. ومع فشل جميع محاولات التهدئة، قد تجد إدارة ترامب نفسها مضطرة لفرض عقوبات قاسية ودعم عسكري متزايد لأوكرانيا، في مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم خريطة الصراع في أوروبا.




